في العلاقة بين السياسي والمثقف
هذا الحديث يبقى من المواضيع الحية التي استمر الجدل حولها على مر العصور. فالأزمة بين السياسي والمثقف، أو المفكر والسلطان هي أزمة تاريخية مستعصية. إنها أزمة بين المثالية والميكيافيلية.. بين تعامل حر في فضاء مفتوح، لا تحكمه حسابات المنفعة، وبين براجماتية مفرطة تنبع من ذات الوظيفة التي يضطلع بها السياسي، ومن الموقع والأوضاع الإجتماعية والطبقية، تفرض عليه لغتها وقوانينها الخاصة.
والمثقف حسب هذه الرؤية، ليس ذلك الذي يكتسب وضعه من خلال تراكم الخبرة العلمية وحيازة الوعي، المعبر عنه هنا بالسلطة المعرفية، بل لا بد من ربط ذلك بقضايا سلوكية. وفي هذا التحديد نجيز لنفسنا الإختلاف مع رؤية الفيلسوف انطونيو غرامشي التي تقول بأن كل فرد هو مفكر، وبالتالي فهو مثقف. وحسب هذا التعريف، فإن كل إنسان يقوم خارج نطاق مهمته بنوع من أنواع النشاط الفكري هو مثقف. إنه يحاول توسيع دائرة التعريف وتعميمه ليشمل أوسع الشرائح الإجتماعية، متغاضيا في ذلك عن أهمية التراكم والخبرة المعرفية. وغرامشي بهذا يجرد النخبة من الوجاهة الإجتماعية، التي هي أهم أسلحتها داخل الحركة السياسية التي كان يقودها من السجن. كما يجردها من الإلتزام، وبالتالي من التمسك بمعايير أخلاقية ووجدانية.
إن الإلتزام في الموقف والوعي، هما شرطان أساسيان لكي نطلق على الفرد صفة المثقف. إذ لا يمكننا أن نتصور مثقفا خارج دائرة التعبير عن وجدان الأمة. إنه الضمير المعبر عن أمال الأمة وآمالها، والمفترض فيه أن يُسخر سلطته المعرفية لينير لها دروب نهضتها.
يتعامل السياسي مع الحاضر، أما المثقف فيرنو بعقله وفكره إلى المستقبل. إنه يدرس الحاضر كي يستخلص منه موقفاً ورؤيةً جديدةً يفترض فيها أن لا تكون معزولة عن الواقع. وقد تحددت هذه الوظيفة للمثقف منذ القدم. تفاعل المثقف، في ملحمة جلجامش مع مجتمعه في حضارة بابل، فكانت النتيجة أن حفلت تلك الملحمة بصور ذلك التفاعل على مستويات كثيرة، مع الطبيعة والسلطة والأسرة. وتتجلى الحكمة الأبدية المعبرة عن الوجدان اليقظ الحي في طرح السؤال، "ماذا يجدي في قتل القلب؟!". ويتواصل عطاء الأدب البابلي، باتجاه سبر أغوار مجتمعه، مع توق واضح باتجاه تحقيق العدل الإجتماعي. وبالمثل، يسلط تاريخ الأدب في حضارة مصر القديمة، على علاقة المثقف بالمجتمع، وبالتالي موقفه من السلطة. لقد استقر في قلب المصريين أن سنوهي أو سنوحي، الرمز المعبر عن دور المثقف، هو الشجاع والصادق في مواجهة طغيان السلطة التي أرغمت البطل على الفرار إلى صحراء الجزيرة العربية أيام سنوسرت الأول خوفا ورهبة من بطش الحاكم، ولكنه عاد أخيرا إلى مصر، حين تبدلت الظروف، وتحقق ميزان العدل.