خطبة السفر وآدابه
السفر لبلاد الكفار الحمد لله الذي جعل لنا الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها، وسخر الدواب نستوي في مراكبها، وجعل السماء بناء نهتدي بكواكبها، نحمده سبحانه على نعمه التي فتح أبواب مطالبها، ونشكره على مننه مقبلها وذاهبها.. وصلى الله على سيدنا محمد، الذي حل من العلا أشرف مراتبها، وحل الله تعالى به عقد الضلالة وهزم مواكبها وعلى آله وصحبه ما ترددت لنجوم في مطالعها ومغاربها أما بعد أيها المؤمنون: فلقد تفرغ أكثر الناس في هذه الأيام من مشاغل وحاجات كانت تملأ أوقاتهم، وأخذ كثير منهم يخططون ويعدون العدة لقضاء الإجازة بالسفر إلى هنا أو هناك، ولقد جاءت الشريعة بآداب وأحكام للمسافر، ينبغي أن يقف عليها.. وأصل السفر في اللغة هوا لظهور والبروز، فيقال: أسفر الصبح إذا ظهر ولمع، وسمي السفر سفرا لأنه يسفر عن أخلاق الرجال، وقد روي أن رجلا شهد عند عمر t فقال عمر: لا أعرفك ائتني بمن يعرفك، فقال رجل أنا أعرفه يا أمير المؤمنين فقال عمر: هل جاورته فعرفت مدخله ومخرجه، قال: لا، قال: هل عاملته بالدينار والدرهم فعرفت صدقه وأمانته ؟ قال: لا، قال: فهل سافرت معه فعرفت أخلاقه، قال: لا، فقال عمر: ما تعرف الرجل، ثم التفت إلى الرجل الشاهد وقال ائتني بمن يعرفك . ولقد كان أجدادنا وسلفنا يسافرون، يسافرون على ا لإبل والأنعام، فجابوا الشرق والغرب، واكتشفوا الديار ونقبوا عن الآثار، ودنوا الأسفار خاطروا بحياتهم، وغامروا بأموالهم، سيرهم بطيء، ومركبهم صعب، ووجهتهم بعيدة،.. ومع ذلك فتحوا البلدان.. ونشروا الإسلام..كانوا يسافرون لتأدية طاعة.. أو طلب علم.. أو بحث عن رزق.. أو صلة رحم.. أما المسافرون في هذه الأيام فقد أصبح الأمر عليهم أيسر ما كان.. بل قد يعد متعة من المتع.. ولا شك أيها المسلمون أن السفر له فوائد لا ينكرها عاقل.. من طلب الرزق.. وزيارة الأرحام.. أو الترويح عن النفس أو غير ذلك.. تغرب عن الأوطان في طلب العلا وسافر ففي الأسفار خمس فوائد تفرج هم واكتساب معيشــة وعلم وآداب وصحبة ماجــد ولا ريب أيها الأخوة الكرام.. أن الأسفار تفرج الهموم.. وقد نصح الأطباء من به هم أو غم، أن يسافر، وأعظم الأسفار التي تفرج الهم.. السفر إلى مكة والمدينة.. فالعمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والصلاة في المسجد الحرام خير من مائة ألف صلاة فيما سواه.. ومن فوائد السفر.. صلة الأرحام البعيدة والمسكن والمكان.. وهذا أمر مهم أعني صلة الأرحام، فلقد لعن الله تعالى قاطع الرحمن في كتابه فقال سبحانه: ] فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم * أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم [ . ولما قضى الله تعالى خلق الخلق قامت الرحم فقالت:ذ رب.. هذا مقام العائذ بك من القطيعة، فقال الله تعالى لها: أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك ؟ قالت: بلى، قال: فذلك لك ". من أهم فوائد هذا السفر أعني السفر لصلة الرحم: الفوز برحمة الله تعالى وصلته، ولكن ينبغي أن يتحمل هذا المسافر الزائر لرحمه فلا يثقل عليهم، أو يكلفهم من المال أو الجهد ما يشق عليهم، وإنك إن تفارق القوم وهم يشتهون جلوسك خير من أن تفارقهم وقد شبعوا منك. ومن فوائد السفر.. زيادة معارف المسافر وعلومه، قال الخليفة المأمون: لا شيء ألذ من السفر في كفاية، إنك كل يوم تحلّ محلة لم تحلها، وتعاشر قوماً لم تعاشرهم ". ومن فوائد السفر: أن المسافر مستجاب الدعوة كما روى الترمذي أن رسول الله r قال " ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة المظلوم، ودعوة الوالد، ودعوة المسافر " ومن فوائد السفر: أن الله تعالى يكتب للعبد الأعمال الصالحة التي كان يفعلها في بلده وفاتته في سفره وإن لم يعلمها إذا كان العائق عنها مجرد السفر، كما روى البخاري أن رسول الله r قال: ( إذا مرض العبد أو سافر، كتب له ما كان يعمله مقيماً صحيحاً ) وكما أن للسفر فوائد فإن له سنناً وآداباً: فأول آداب السفر: صلاة ركعتي الاستخارة قبله ليختار الله تعالى له ما فيه خيري الدنيا والآخرة، فقد يرغب العبد في سفر ويكون فيه شر له ] وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم [ قال جابر بن عبد الله t: كان رسول الله r يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها، كما يعلمنا السورة من القرآن. ومن آداب السفر إذا عزم عليه: أن يخرج من مظالم الخلق، ويرد ما أمكنه من ديونهم، ويستحل ممن كان بينه وبينه معاملة في شيء. ومن آداب السفر: أن يكتب وصيته، ويشهد عليها وأن يذكر فيها ماله وما عليه من دين، فلا يدري المسافر فلعله يقع له في سفره ما يحول بينه وبين الرجوع إلى أهله، أو بين الحياة كلها.. ومن آدابه: أن يحسن المسافر اختيار الرفيق إن احتاج إلى ذلك، فيكون موافقاً له في طبعه راغباً في الخير، إن نسي ذكّره، وإن ذكر أعانه، قال الأوزاعي: لا يكون الرفيق فظاً غليظاً ضيق الأخلاق، أو بخيلاً شحيحاً: قال عمر بن الخطاب t " إذا سافرتم فاصحبوا ذوي الجود واليسر " ومن آداب السفر: أن يبكر بالخروج إلى سفره، فقد دعا النبي r لمن فعل ذلك بقوله: ( اللهم بارك لأمتي في بكورها " وإن تيسر أن يكون ذلك في فجر يوم خميس فهو أقرب إلى السنة.. وروى البخاري عن كعب بن مالك t قال: قلّما كان رسول الله r يخرج في سفر إلا يوم الخميس. ومن آداب السفر: أن يحرص المسافر على الأذكار الشرعية الواردة في السفر، وهي موجودة في كتب الأذكار، فيذكر ما ورد إذا خرج من بيته، وإذا ركب دابته، وأن يكثر من التهليل والتسبيح في الأماكن التي ينزل فيها فإن الأرض يوم القيامة تحدث أخبارها فتشهد بما عمل عليها من خير أو شر.. قال أبو الدرداء t: اذكروا الله في أسفاركم عند كل حجر وشجر، لعلها تأتي يوم القيامة تشهد لكم.. ومن السنة أيها الإخوة الكرام: أن يكبر إذا ارتفع بدابته على شيء، وأن يسبح إذا انخفض بها.. وليحذر المسافر من أن ينشغل أثناء طريق سفره بسماع غناء أو معازف، فمن استمع إلى الذكر كان رديفه وصاحبه مَلَكاً، ومن استمع إلى الغناء والعزف كان رديفه شيطاناً، وكل مسافر يصاحب من يوافق طباعه. أيها الأخوة الكرام: ومن آداب السفر أن يؤمّر الرفقة أحدهم لقوله r: إذا كانوا ثلاثة فليؤمروا أحدهم ومن الآداب: أن لا يسافر الرجل وحده إذا كان الطريق مخوفاً، أو كان السفر ليلاً والطريق غير آمن، لحديث: ( لو يعلم الناس من الوحدة ما أعلم ما سار راكب بليل وحده ). وينبغي للمسافر إذا تغولت الغيلان أن يسارع إلى ذكر الله تعالى، فعن جابر t أن النبي r قال: ( إذا تغولت بكم الغيلان فنادوا بالأذان ) والغيلان طائفة من الجن والشياطين يخوفون المسافر، ومعنى تغولت: أي تلونت في صور.. والسنة لمسافر إذا قضى حاجته من سفره أن يعجل بالرجوع إلى أهله لحديث أبي هريرة t أن رسول الله r قال: ( السفر قطعة من العذاب يمنع أحدكم طعامه وشرابه، فإذا قضى أحدكم نهمته - أي مقصوده - من سفره فليعجل إلى أهله ) متفق عليه. ومن آداب السفر: أن لا يفاجأ أهله بالرجوع ليلاً دون علمهم إذا كان قد أطال الغيبة عنهم بل يعلمهم قبل الوصول، أو يأتيهم نهاراً، لحديث جابر t أن رسول الله r: نهى أن يطرق الرجل أهله ليلاً حتى تمتشط الشعثة، وتستحد الـمُغِيبة. ومن آداب السفر: أنه لا يجوز للمرأة أن تسافر إلا مع ذي محرم لقوله r: ( لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم ). أيها الأخوة الكرام: والأفضل إذا كان الرجل سيسافر للنزهة أو الترويح أن يصحب أولاده معه فخيركم خيركم لأهله. أراد الحطيئة الشاعر، فلما أراد الركوب قالت له زوجته: متى الرجوع فأنشد: عدي السنين إذا ارتحلت لرجعتي ودعـي الشهور فإنهن قصار فقالت: اذكر صبابتنا إليك وشوقنا وارحم بناتك إنهن صغار فحط رحله ولم يخرج.. وينبغي لمن صحب أولاده في سفر أن يكون هنيئاً ليناً رفيقاً معهم، وأن يوسع في النفقة عليهم في مباح، كما ينبغي أن يحفظهم من الأماكن التي يكون فيها منكر أو اختلاط رجال بنساء أو نحو ذلك، فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، ] يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً [ وفق الله الجميع. أقول قولي هذا ,,, الخطبة الثانية السفر وآدابه والسفر لبلاد الكفار وهناك فئة من الناس تنتظر هذه الأيام بفارغ الصبر ليسافروا إلى بلاد. لا يسمعون فيها صوت الأذان . ولا يجهر فيها بكلمة التوحيد، يقيمون فيها أياماً من أعمارهم بين ظهراني المشركين، ويخالطون عبدة الأوثان، ويوادونهم، وقد يؤاكلونهم ويشاربونهم، وداً وصداقة لا دعوة وإصلاحاً.. وإن الكلام أيها الأخوة الأحبة عن السفر إلى بلاد الكفار كلام يطول، بل بصراحة أقول: إنه كلام يتكرر على الأذهان كثيراً.. ويحتج المسافرون بحجج هم يعلمون أنها وإن عذرت عند الخلق، فلا تعذر عند الخالق، ومن المنكرات: الوقوع في المأكولات والمشروبات المحرمة، أو مواقعة الزنا، أو إهدار الأموال الطائلة في القمار، بشتى أنواعه المنتشرة في ملاهي تلك البلاد. أيها الأخوة الأحبة . ونقولها وقلوبنا يعتصرها الأسى غيرةً وشفقة.. لإخواننا الذين ضاقت بلاد التوحيد بأطرافها أن تستوعب مراح قلوبهم، فذهبوا يبحثون عن السياحة في بلاد أخرى.. ولنكن صرحاء.. إن كانت السياحة بحر.. ففي بلادنا بحار.. وإن كانت جبل ففي بلادنا جبال.. وإن كانت السياحة رملاً وهواء عليلاً ففي بلادنا ذلك.. أما إن كانت السياحة خموراً ودعارة يحميها النظام والقانون.. فهذا هو بيت القصيد والآن جاءت المسألة.. فمن أراد السفر إلى بلاد الكفار فليسأل نفسه فإن أراد أمراً مباحاً فسيجد بنصف تكلفة سفره في بلاد الإسلام ما يغنيه عن تلك البلدان . ولكنه لن يرى صليباً يعبد، ولن يرى فواحش جهاراً نهاراً أو كبائر، ولن ينقطع الأذان عن مسمعه.. فخير للعاقل أن يقضي إجازته وسياحته في بلده.. ففي ذلك حفظ للزوجة والأولاد، وحفظ للأموال. سافر شاب مسلم إلا بلاد من البلدان بحثا عن متعة محرمة، فكتب إليه صديق له: ألم تتعب ملـذاتك وقد تعبت جنيهاتك ألم تقنع وقد مـاتت من التجوال رحلاتك وقد ضجت من الأختام أعواماً جــوازاتك وقد ملأت بنوك الأرض أموالا حــوالاتك ألم تتعب وقد أحيـت ليالي الكون سهراتك ودور الرقص والحانات تثريها فتــوحاتك ولم نقلتك من نصر إلى نصر بطــولاتك وكم شمخت ولا فــخر على الكاسات كاساتك وكم هطلت على الشادين والســـاقين خيراتك فزدهم يا رعــــاك الله فالإكـــرام عاداتك تمرغ في وحـــول الجهل ولتكثــــر حماقاتك وأمتعهم وزد في الرقـص فالســـاحات ساحاتك وجــــد وابذل إذا ما أومأت حيناً صديقاتك وزد يا حـــاتم الطائي إن زادت جماعــاتك لكي تعلوا وتدحــرهم لكي تزهــو جنيهاتك وتشــمخ في نحور الغير من عـز شـعاراتك ومن كـــر إلى فر تسير بنا انتصــاراتك وتخفق فــــــوق دور الرقص والــبارات راياتك ألم تتعـــب وقد تعبت من اللـــذات أوقاتك وملتك المـــطارات التي مـــنها انطلاقاتك رضـــا عن تحت أقدام الجمـــيلات اتجاهاتك بلاد الشــرق رغم البعد تمـــــلأها سلالاتك ألم تتـــــعب أجبني أنها هــــذر إجاباتك من ستفيق يا من عـــز مــــن منفاك إفلاتك متى ســــتعود من بحر بــــه غرقت تجاراتك تعود غــــــدا وقد دفنت من الشهوات عاداتك متى يا فــــارس البلدان تفــــحمنا اعتذاراتك بمثلك يســــعد الأقصى وقد ردتــــه ثاراتك بمثلك تفخـــــر الدنيا بما صـــنعته صولاتك أعـــدت لنا عروش المجد لا مـــاتت مروءاتك وعدت مظفرا بــــطلا تمجــــنا احتفالاتك وتملأ فــــــخاراً ما تقوم بــــه مهماتك ألم تخجل لقد خـــجلت بأن تلقاك مـــرءاتك وقد تفني حيـــــاتك قبل أن تفنى مــلذاتك أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ] إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون [ . ] وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعصِ الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً [ هذا وصلوا رحمكم الله على من أمركم الله بالصلاة عليه فقال عز من قائل عليماً ] إن الله وملائكته يصلون على النبي [.. اللهم أعزالاسلام والمسلمين .. اللهم انصر دينك.. اللهم وفق ولي أمرنا.. ربنا آتنا في الدنياحسنة وفي الاخرة حسنة وقنا عذاب النار..